صفي الرحمان مباركفوري
122
الرحيق المختوم
بذورا صالحة ، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات ، اتقى المسلمون في ظلالها الوارفة عن لفحات الظلم والطغيان طيلة أعوام . وكان من حكمته صلى اللّه عليه وسلم - إزاء ما كان يلقى من أهل مكة من التكذيب والصد عن سبيل اللّه - أنه كان يخرج إلى القبائل في ظلام الليل ، حتى لا يحول بينه وبينهم أحد من أهل مكة المشركين « 1 » . خرج كذلك ليلة ومعه أبو بكر وعلي ، فمر على منازل ذهل وشيبان بن ثعلبة وكلمهم في الإسلام . وقد دارت بين أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة ، وأجاب بنو شيبان بأرجى الأجوبة ، غير أنهم توقفوا في قبول الإسلام « 2 » . ثم مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعقبة منى ، فسمع أصوات رجال يتكلمون « 3 » ، فعمدهم حتى لحقهم ، وكانوا ستة نفر من شباب يثرب ، كلهم من الخزرج ، وهم : ( 1 ) أسعد بن زرارة ( من بني النجار ) ( 2 ) عوف بن الحارث بن رفاعة ، ابن عفراء ( من بني النجار ) ( 3 ) رافع بن مالك بن العجلان ( من بني زريق ) ( 4 ) قطبة بن عامر بن حديدة ( من بني سلمة ) ( 5 ) عقبة بن عامر بن نابي ( من بني حرام بن كعب ) ( 6 ) جابر بن عبد اللّه بن رئاب ( من بني عبيد بن غنم ) وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبيا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان ، سيخرج فنتبعه ، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم « 4 » . فلما لحقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لهم : من أنتم ، قالوا : نفر من الخزرج ، قال : من موالي اليهود ؟ أي حلفائهم ، قالوا : نعم . قال : أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى . فجلسوا معه ، فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته ، ودعاهم إلى اللّه عز وجل ، وتلا عليهم القرآن . فقال بعضهم لبعض : تعلمون واللّه يا قوم ، إنه للنبي الذي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا .
--> ( 1 ) تاريخ إسلام للنجيبآبادي 1 / 129 . ( 2 ) انظر مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 150 ، 151 ، 152 . ( 3 ) رحمة للعالمين 1 / 84 . ( 4 ) زاد المعاد 2 / 50 ، وابن هشام 1 / 429 ، 541 .